بعدما أُسدل الستار عن الملف القضائي، الذي لم يُفتح أصلًا، بعد حفظ الملف من طرف السلطات القضائية عقب تقديم الأشخاص الموقوفين على خلفية شبهة خيانة زوجية، التي يكاد لا يخلو أسبوع أو شهر من تسجيل حادثة أو واقعة مشابهة؛ إلا أن الاستثنائي في هذه الحادثة هو تواجد اسم شخصية “مشهورة” ومؤثرة على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي، لها متتبعوها ومحبوها، وهو ما جعلها تحظى بمتابعة إعلامية مهمة.
هذه الواقعة أعادت إلى ساحة النقاش العمومي مجموعة من الأفكار، التي كانت وما زالت محط اختلاف وجدل كبير. أولها حدود الحياة الشخصية مع الحياة العامة، فمهما بلغت الشهرة وتفاعل الجمهور، إلا أن كل شخص لديه الحق في مساحة شخصية وخصوصية، ما دامت لا تتقاطع مع مسؤولية تسيير الشأن العام.
لكن، للأسف، من بين ضرائب الشهرة والعمومية هو انتهاك هذا الجانب الخصوصي، حيث أصبح الجمهور يعتبر نفسه ملزمًا بالاطلاع على خصوصيات النجوم، ومن حقه معرفة كل التفاصيل الدقيقة والحميمية للشخصيات العمومية والمؤثرة.
وهذا بسبب سلوكيات بعض هؤلاء المشاهير أنفسهم، الذين يتقاسمون تفاصيل حياتهم اليومية والخصوصية على مدار الساعة، إلى درجة أصبح فيها المتتبع يعتبر الخوض في خصوصيات المشاهير من ثوابت حقوقه المطلقة.
ومن جملة النقط التي أثارتها هذه الواقعة، مهنية واحترافية وسائل الإعلام، التي سعى بعضها لتحقيق السبق الصحفي بغض النظر عن حقيقة المعلومة المنشورة من عدمها.
وكذلك بعض التعابير والمصطلحات المستعملة في التغطية الإعلامية، التي تنم عن أحكام قيمة جاهزة للاستعمال وتنتظر فقط الوقت المناسب لتوظيفها.
حيث، وبقراءة خفيفة لبعض المواقع الإعلامية التي غطت الحدث، نفهم من بعضها أن الأطراف كلهم مذنبون، وقد نُصبت لهم المشانق وأُصدرت الأحكام، وهو ما يضرب عمق مبدأ قرينة البراءة، الذي يتجاوز الحكم القضائي الابتدائي وقرار الاستئناف، ولا يطيح به إلا قرار محكمة النقض.
فالصحفي المهني يُفترض فيه أن يكون قادرًا على التفريق بين نقل الخبر والتعليق عليه أو محاولة شرحه، بما يشكل صورة لدى المتلقي ويساهم في تشكيل الرأي العام.
كما أن هذا الحادث أزاح اللثام عن بعض السلوكيات المجتمعية، التي يجب دق ناقوس الخطر بخصوصها؛ ألا وهي تلذذ العامة بأكل لحم بعضهم البعض، وتحول الفضاء الرقمي العمومي إلى ساحة للاستهزاء والتشهير والتشفي، وربما حتى تصفية الحسابات أحيانًا.
حيث، عوض استغلال هذا الفضاء كمجال للتعبير عن الدعم والتضامن في حال التأكد من المظلومية، أو على الأقل الصمت في أقصى الحالات، أصبحنا نسجل تهافتًا وتسابقًا لمن سينشر الخبر أولًا، ومن سيغطيه، ومن سيستضيف الشهود..
لكن الفريد في هذه الواقعة، حسب مجموعة من المتتبعين، هو انقسام الوسط الرقمي بين فئتين عريضتين: أولاهما تدافع عن حق المنابر الإعلامية والصحفية في التغطية ونشر الأخبار وعدم مصادرة حقها في التعبير، وفي الوقت نفسه تقوم الجهة نفسها بمحاولة السطو على الفضاء العام ومصادرة حق الطرف الآخر في التعبير، الذي يعيب على المنابر الإعلامية طريقة تعاملها مع مثل هذه الأحداث الخاصة.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى تخليق الحياة الإعلامية بصفة عامة، وتجديد الضوابط القانونية والأخلاقية التي تؤطر عمل الصحفي المهني، وتجعله يمارس حق الحصول على المعلومة ونشرها بكل مسؤولية وانضباط، ودون تجاوز في استعمال الحق. كما أننا ملزمون بفتح نقاش عمومي هادئ وفعّال حول حدود الحياة الخاصة في تماسها مع الحياة العامة.